تاريخ جامع السلطان أحمد . المسجد الأزرق | السياحة فى اسطنبول


جامع السلطان أحمد بإسطنبول.. تفرد العمارة الإسلامية

بقلم: د. عماد عجوة ______________________________

المسجد الأزرق | مسجد السلطان أحمد | إسطنبول
المسجد الأزرق | مسجد السلطان أحمد | إسطنبول

إسطنبول واحدة من أعظم وأهم المدن التركية التي تقع على جانبي البوسفور الذي يصل البحر الأسود شمالاً ببحر مرمرة المتفرع عن البحر الأبيض المتوسط إلى الجنوب الغربي، وهي من أكبر الثغور البحرية وموقعها إستراتيجي للغاية، فهي همزة الوصل بين قارتي آسيا وأوروبا وتاريخها عريق جدًّا يضرب في أعماق التاريخ. ونشأت إسطنبول على أطلال مدينة صغيرة تسمى بيزنطة، ثم استولى على هذه القرية الإمبراطور الروماني قسطنطين الأول طمعًا في موقعها الجغرافي الممتاز، وأعلنها عاصمة له عام 330م، وقد سُميت هذه المدينة بالقسطنطينية نسبةً إلى هذا الإمبراطور وظلت مدينة القسطنطينية 1100 عام عاصمة للإمبراطورية الرومانية الشرقية وخط دفاع حصين لهذه الإمبراطورية. وفي العصور الأولى للإسلام كانت هناك محاولات عديدة لفتح هذه المدينة، وهذا الاهتمام من المسلمين بهذه المدينة رغبة منهم في تحقيق بشارة النبي صلى الله عليه وسلم؛ حيث قال: “لتفتحن القسطنطينية فلنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش”، وكانت أول محاولة لذلك حصار القسطنطينية عام 34هـ/654 م، في عهد أمير المؤمنين الصحابي الجليل عثمان بن عفان رضي الله عنه؛ حيث أرسل معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه على رأس جيش كبير لحصارها وفتحها، غير أنه عاد دون أن يتمكَّن من ذلك بسبب الأسوار المنيعة. وقد تلتها محاولات أخرى عديدة كان أهمها محاولتين، إحداهما كانت في عهد الخليفة معاوية بن أبي سفيان، وقد تُوفي فيها الصحابي الجليل أبو أيوب الأنصاري ودُفن عند أسوار القسطنطينية، أما المحاولة الأخرى المهمة فكانت في عهد سليمان بن عبد الملك؛ حيث سار جيش مكون من 120 ألف مقاتل وما يقرب من مائة قطعة بحرية تجاه القسطنطينية لحصارها، ولقد لاقى ذلك الجيش الكثير من العنت والمشقة بسبب البرد فحال ذلك دون فتحها، ثم تُوفي الخليفة سليمان وتولَّى الخليفة عمر بن عبد العزيز الخلافة من بعده فأمر بعودة الجند؛ خوفًا عليهم من الهلاك بسبب البرد، وبقيت القسطنطينية ممتنعةً على الفاتحين حتى نشأة الدولة العثمانية، وقد حاول الأتراك العثمانيون بعد أن أصبحت لهم دولة كبيرة فتح القسطنطينية كان أولها تلك المحاولة التي كانت على عهد السلطان بايزيد الأول، ولكن حال دون نجاحها هجوم الصليبيين على الدولة العثمانية واستغلالهم لتلك الفرصة، وكذلك مواجهة الخطر المغولي الذي كان يتقدم لمهاجمة الدولة العثمانية من جهة الشرق. وفي عهد السلطان محمد الثاني بن مراد الثاني حاول العثمانيون فتح القسطنطينية بجيش مكون من 265 ألف مقاتل تصحبهم المدفعية الثقيلة، وكان في مقدمة الجيش الشيوخ والعلماء وكبار رجال الدولة، متوجهين إلى القسطنطينية يتقدمهم السلطان، وتحت وابل من النيران والسهام اقتحم الجنود أسوار المدينة، وتدفقت جموعهم إليها كالسيل الجارف، ودخلها السلطان محمد الثاني فاتحًا في يوم الثلاثاء 20 من جمادى الأولى سنة 857هـ/ 29 من مايو 1453م، وقد لُقِّب السلطان من يومها بالفاتح حتى غلب اللقب على اسمه، فصار لا يُعرف إلا به، ولما دخل المدينة ترجَّل عن فرسه، وسجد لله شكرًا، ثم توجَّه إلى كنيسة آيا صوفيا وأمر بتحويلها إلى مسجد، وأمر بإقامة مسجد في موضع قبر أبي أيوب الأنصاري، ومنذ ذلك التاريخ أصبحت القسطنطينية عاصمةً للدولة العثمانية، وأطلق عليها اسم “إسلام بول” أي دار الإسلام. واستمر الاهتمام بإسطنبول التي سرعان ما أصبحت العاصمة الجديدة والمركز الحضاري والفكري الأول في العالم الإسلامي؛ وذلك بفضل تنافس السلاطين العثمانيين على تعميرها، وجلب أمهر الصناع والفنيين إليها من مختلف أنحاء البلاد، ولما انتقلت الخلافة الإسلامية إلى العثمانيين أصبحت إسطنبول عاصمة الخلافة الإسلامية وحاضرةً لدولتها المترامية الأطراف. المسجد يؤمه الرجال والنساء من كل مكان وامتلأت إسطنبول بالمساجد الكبيرة التي كان في الغالب يلحق بها مكتبة تجلب إليها الكتب من كل مكان ومن المكتبات التي اشتهرت في إسطنبول مكتبة السليمانية الموجودة بجوار مسجد السليمانية، التي يحتفظ فيها بمجموعةٍ نادرة من نسخ المصحف الشريف مدونة على جلد الغزال، يعود بعضها إلى زمن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب- رضي الله عنه-، كما يوجد بها أعداد كبيرة من المخطوطات النادرة في شتَّى مجالات العلوم الإسلامية والتطبيقية والكونية، والتي كان للمسلمين فيها باع طويل، ويبلغ ما تحويه المكتبة من مخطوطات 64267 مخطوطة، منها 48992 باللغة العربية، والباقي بالتركية والفارسية. وكانت إسطنبول في ظل الإسلام قبلةً للعلماء وازدادت أهميتها مع اتساع ممتلكات الدولة العثمانية، وقد قام السلطان محمود الثاني بتشجيع العلم والعلماء وقام بدوره في دعوة كثيرٍ من العلماء لزيارة إسطنبول والتحاور حول القضايا الإسلامية، وحينما نتكلم عن المكانة العلمية لإسطنبول لا يمكننا أن ننسى السلطان عبد الحميد الثاني حيث كان يدعو إلى فكرة الجامعة الإسلامية؛ مما أحدث في العالم الإسلامي ازدهارًا فكريًّا ملحوظًا، وقد توافد على إسطنبول علماء الإسلام من كل مكان ليؤكدوا الإيمان بهذه الدعوة من خلال أفكارهم. وبعد هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، قام الحلفاء باحتلال إسطنبول في الفترة من عام 1337هـ: 1341هـ، 1918م: 1922م، ثم قام مصطفى كمال أتاتورك بنقل العاصمة من إسطنبول إلى أنقرة لينهي بذلك فترة خمسة قرون كانت فيها إسطنبول عاصمة الخلافة العثمانية، وفي عام 1342هـ/ 1924م، قام أتاتورك بإلغاء الخلافة الإسلامية، وأعلن قيام جمهورية تركيا، وأخرج من البلاد آخر سلاطين الدولة العثمانية وهو السلطان عبد المجيد، وألغى التقويم الهجري، واستبدل الشريعة الإسلامية بالقانون العلماني السويسري، كما ألغيت الحروف العربية واعتمدت الحروف اللاتينية وحذفت من مناهج التعليم اللغتان العربية والفارسية، ومنع الأذان من المساجد ومنع النساء من لبس الحجاب، وبذلك انزوت إسطنبول إلى دائرة الظل بعد أن كانت ملء سمع الدنيا وبصرها.

مساجد إسطنبول

في عهد الخلافة الإسلامية أصبحت إسطنبول أكبر مدن الخلافة العثمانية، فاشتهرت بكثرة مساجدها التي بلغ عددها حوالي 500 مسجد، في غالبيتها مساجد تاريخية وأثرية حيث يوجد منها مجموعة رائعة من المساجد الأثرية ذات القيمة المعمارية الرفيعة إلى جانب تاريخها العظيم. ومن هذه المساجد مسجد الصحابي الجليل أبي أيوب الأنصاري الذي أمر بتشييده محمد الفاتح في نفس السنة التي تم فيها فتح إسطنبول، وكذلك مسجد السليمانية والذي تفوق في بنائه وتصميمه على آيا صوفيا حيث يمتاز بسعته وارتفاعه، وتفرده بمجموعة من المآذن التي بلغت حد الروعة في جمالها وتناسقها وجامع آيا صوفيا بلونه البرتقالي وطرازه البيزنطي ومآذنه الأربع، وكان قبل الفتح العثماني كنيسة ترجع إلى العصر البيزنطي بناها جستنيان الأول عام 537م غير أن السلطان محمد الفاتح عندما سيطر على القسطنطينية أمر بأسلمة معالمها ومنها هذه الكنيسة التي أمر بتحويلها إلى مسجد، ولما أعلن أتاتورك جمهورية تركيا، قام بتحويل هذا المسجد إلى متحف وطني يضم أهم المجموعات الإسلامية الأثرية، زيادةً على مقتنيات من كافة أنحاء العالم الإسلامي وعرش فارس الذهبي.

مسجد السلطان أحمد بإسطنبول

جامع السلطان أحمد أو الجامع الأزرق يقع في مدينة إسطنبول في تركيا وبالتحديد في ميدان السلطان أحمد، وجنوبي متحف آيا صوفيا وشرق ميدان السباق البيزنطي القديم، ويعد الجامع آيةً من آيات فن العمارة الإسلامية، حيث يمثل طرازًا فريدًا بين المساجد وفي عمارته وأنواره بالليل، ويعد أحد أهم وأضخم المساجد في تركيا والعالم الإسلامي. بُني المسجد بين عامي 1018: 1020هـ/ 1609: 1616م حسب أحد النصوص التأسيسية على أحد أبوابه، ومهندسه محمد أغا أشهر المعماريين الأتراك بعد سنان باشا وداود أغا، وله سور مرتفع يحيط به من ثلاث جهات، وفي السور خمسة أبواب، ثلاثة منها تؤدي إلى صحن المسجد واثنان إلى قاعة الصلاة. عمارة وتخطيط المسجد

المسجد من الداخل

ويمثل هذا الجامع الطراز الثالث لتشييد المساجد، وهو عبارة عن مساحة مستطيلة الشكل طول ضلعها 72م وعرضها 64م، ويتألف من قاعة للصلاة يسبقها صحن ويغطي بيت الصلاة قبة ترتكز على أربعة عقود مدببة ترتكز على أربعة أكتاف ضخمة، ويحيط بالقبة أربعة أنصاف قباب كما أن كل ركن من أركان المسجد تغطيه قبة صغيرة، وفتح برقاب القباب والجدران كثير من النوافذ تجلب الضوء والهواء إلى داخل المسجد، وتكسو الجدران بلاطات القاشاني الأزرق والأخضر التي ترتفع حتى النوافذ العليا. وقد شيد محراب الجامع ومنبره من المرمر ويحليهما زخارف في غاية الجمال ويحف بالمحراب شمعدانان كبيران، أما حرم الجامع أو صحنه فهو فناء كبير تحيط به أروقة أربعة تسقفها عشرات من القباب الضحلة الصغيرة، وتقوم هذه القباب فوق عقود تحملها أعمدة من الجرانيت، ولهذه الأعمدة تيجان من الرخام، ويتوسط الصحن ميضأة سداسية الشكل تقوم على ستة أعمدة ويتضح في مسجد السلطان أحمد تأثير المهندس سنان. وأراد السلطان أحمد أن يضفي على مسجده أقصى ما يمكن من الفخامة فأمر بتزويده بست مآذن لاقت صعوبات في تشييدها، إذ كان المسجد الحرام يحتوي على ست مآذن، ولاقى السلطان أحمد نقدًا كبيرًا على فكرة المآذن الست، وحتى لا يتميز مسجده عن المسجد الحرام بمكة من حيث عدد المآذن أضاف مئذنة سابعة للمسجد الحرام، كما أمر بكسوة الكعبة بصفائح الذهب، وركَّب لها ميازيب ورمم قباب الحرم المكي، ويعتبر مسجد السلطان أحمد المسجد الوحيد في تركيا الذي يحوي ست مآذن. وبمجرد دخول الإسلام إلى تركيا وبلاد الأناضول أخذت الحدائق التركية في الانتشار في ربوع البلاد بصورةٍ ملحوظة، وأدخلت المسطحات الخضراء على التكوين العمراني للمنشآت كما أدخلت على التكوين العمراني للمساجد، بهدف وقايته من الحرائق، فقد جرى التعارف على أن النار تشتعل في المنازل التي كانت تُبنى بالخشب، ثم تمتد منها إلى المساجد المجاورة، مما حدا بالمعمار “سنان” أن يحيط الجامع وملحقاته بسور خارجي بينه وبين التكوين الداخلي للمسجد مساحات كبيرة خالية غرست بها أشجار باسقة، وأنواع من زهور مختلفة تعزل المسجد عن المنازل المجاورة وتُحقق في الوقت ذاته قيمة جمالية رائعة بكسائها الأخضر وزهورها الملونة، ويتضح مسجد السلطان أحمد حيث يُحاط المسجد بمساحات خضراء من كل جانب، وكذلك بمسجد السليمانية ومسجد السليمية بأدرنة زرعت المساحة الكبيرة بين المسجد وملحقاته بكافة أنواع المزروعات من الأشجار، وكذلك مجمع السلطان محمد الفاتح يلاحظ المسافة الكبيرة بين المسجد وباقي المباني مزروعة بالأشجار الباسقة. ———— المراجع: 1- حسن الباشا، مدخل إلى الآثار الإسلامية، دار النهضة العربية، القاهرة 1979م. 2- أندريه ريمون، المدن العربية الكبرى في العصر العثماني، ترجمة لطيف فرج، الطبعة الأولى دار الفكر للدراسات والنشر، القاهرة 1991م. 3- محمد عبد السلام عيد، دراسة لإمكانية استخدام المسطحات الخضراء في التشكيل المعماري في المساجد، دراسة أثرية معاصرة، سجل أبحاث ندوة عمارة المساجد، المجلد الثالث كلية العمارة والتخطيط، جامعة الملك سعود، الرياض 1999م. 4- منى عثمان، رسوم عمائر إسطنبول الدينية من خلال تصاوير المخطوطات العثمانية، رسالة ماجستير، قسم الآثار الإسلامية، كلية الآثار، جامعة القاهرة 2009م. Van Gladib ( Almut ) : L, Architecture L, Empire Ottman , (Arts & Civilization del Islam )Imprime France Konemann 2000


ضع تعليقاً